التهاب البنكرياس المزمن Chronic Pancreatitis: الأسباب، الأعراض، التشخيص والعلاج

التهاب البنكرياس المزمن مرض التهابي طويل الأمد يؤدي إلى تليّف البنكرياس وتراجع وظيفته الهضمية والهرمونية، ما قد يسبب ألمًا بطنيًا مزمنًا، سوء هضم وإسهالًا دهنيًا، فقدان وزن، وقد يتطور إلى سكري من النوع 3c. يشرح هذا المقال الفرق بين الالتهاب الحاد والمزمن، وأهم عوامل الخطر مثل الكحول والتدخين والأسباب الوراثية والانسدادية والمناعية والاستقلابية. كما يستعرض المضاعفات المحتملة (الأكياس الكاذبة، اليرقان الانسدادي، المضاعفات الوعائية) وخطوات التشخيص الحديثة (تحاليل، Fecal elastase-1، CT، MRI/MRCP، EUS) وخطة علاج شاملة تشمل نمط الحياة، التغذية، علاج الألم، إنزيمات PERT، والتداخلات التنظيرية أو الجراحة عند الحاجة، مع إطار عملي للمتابعة ومتى نعيد التصوير أو نحيل لمركز متخصص.

التهاب البنكرياس المزمن

يُعَدّ التهاب البنكرياس المزمن (Chronic Pancreatitis) مرضًا التهابيًا طويل الأمد يصيب البنكرياس ويؤدي تدريجيًا إلى تليف أنسجته وتبدّل بنيته وفقدان جزء من وظيفته. ومع مرور الوقت، لا يبقى الأمر مجرد “التهاب” عابر، بل يتحوّل إلى حالة مستمرة تترافق مع تغيّرات دائمة في الغدة، ما ينعكس على قدرتها على إفراز الإنزيمات الهاضمة والهرمونات المنظمة لسكر الدم، وفي مقدمتها الإنسولين.

البنكرياس عضو محوري يقع خلف المعدة، وله وظيفتان أساسيتان:

  1. وظيفة خارجية الإفراز (Exocrine): إنتاج إنزيمات تساعد على هضم الدهون والبروتينات والكربوهيدرات.

  2. وظيفة داخلية الإفراز (Endocrine): إنتاج هرمونات أهمها الإنسولين والغلوكاغون لضبط سكر الدم.

في التهاب البنكرياس المزمن، يحدث ضرر تدريجي في البنية القنوية والأنسجة الغدية، وقد تتشكل تضيّقات في القنوات أو تكلسات داخل البنكرياس، ما يؤدي إلى ألم بطني مزمن أو متكرر، واضطرابات هضمية، ومع تطور المرض قد تظهر علامات قصور البنكرياس مثل الإسهال الدهني (براز زيتي/طافٍ) ونقص الوزن، ثم لاحقًا قد يتطور السكري نتيجة تضرر الجزء المسؤول عن إفراز الإنسولين.

د. ميسر الغصين
د. ميسر الغصين
دكتور أمراض الجهاز الهضمي

هل تعاني من التهاب البنكرياس المزمن؟

تواصل الآن لتقييم حالتك ووضع خطة علاج واضحة—بإشراف طبي متخصص.

أماكن العمل: دبي الشارقة

التمييز بين التهاب البنكرياس المزمن وغيره

من المهم التفريق بين التهاب البنكرياس المزمن وبين أشكال أخرى قد تتشابه بالأعراض:

  • التهاب البنكرياس الحاد (Acute Pancreatitis): يحدث بشكل مفاجئ خلال أيام، وغالبًا يكون قابلًا للتحسن والشفاء إذا أزيل السبب وعولجت الحالة، وقد لا يترك أذية دائمة.

  • التهاب البنكرياس المزمن: يتطور على مدى أشهر وسنوات، ويتميّز بأن التغيرات البنيوية فيه غالبًا غير عكوسة (دائمة)، مع نوبات ألم متكررة أو ألم مزمن، ويقترن تدريجيًا بخلل في وظائف البنكرياس.

  • التهاب البنكرياس الناكس (Recurrent Acute Pancreatitis): نوبات حادة متكررة قد تكون مرحلة انتقالية عند بعض المرضى، وقد تنتهي مع الزمن إلى التهاب مزمن إذا استمر السبب ولم يُعالج.

أهمية المرض من الناحية السريرية

تكمن أهمية التهاب البنكرياس المزمن في أنه مرض “تراكمي”، أي أن الضرر يتراكم مع الوقت. لذلك، التشخيص المبكر ومعالجة السبب (مثل الكحول، أو الانسداد القنوي، أو أسباب وراثية/مناعية) قد يغيّر مسار المرض ويقلل المضاعفات. كما أن التعامل مع الأعراض ليس فقط لتسكين الألم، بل أيضًا للحفاظ على التغذية، وتعويض الإنزيمات عند الحاجة، والوقاية من السكري ومتابعته إن حدث.

ما هو البنكرياس ووظيفته باختصار

البنكرياس (Pancreas) غدة تقع خلف المعدة وتمتد باتجاه الطحال، وتؤدي دورًا أساسيًا في الهضم وتنظيم سكر الدم. يقوم البنكرياس بوظيفتين رئيسيتين:

  • وظيفة خارجية الإفراز (Exocrine): إنتاج وإفراز إنزيمات هضمية تُطرح إلى الاثني عشر (بداية الأمعاء الدقيقة) للمساعدة في هضم الدهون والبروتينات والكربوهيدرات.
  • وظيفة داخلية الإفراز (Endocrine): إنتاج هرمونات تنظّم سكر الدم، أهمها الإنسولين والغلوكاغون، وتُفرز مباشرة إلى الدم.

تعريف التهاب البنكرياس المزمن

التهاب البنكرياس المزمن (Chronic Pancreatitis) هو مرض التهابي طويل الأمد يؤدي إلى أذية تدريجية ودائمة في نسيج البنكرياس مع تليف وتبدلات بنيوية (مثل تضيّق القنوات أو التكلسات). ومع تقدم الحالة قد يحدث قصور وظيفي للبنكرياس:

  • قصور خارجي: نقص الإنزيمات الهضمية مما يسبب سوء هضم، إسهال دهني، ونقص وزن.
  • قصور داخلي: تضرر خلايا إفراز الهرمونات ما قد يؤدي إلى اضطراب سكر الدم وظهور السكري.

الفكرة المحورية هنا أن المرض لا يقتصر على التهاب عابر، بل يمثل عملية تندّب مستمرة تُضعف وظيفة الغدة مع الزمن.


الفرق بين الالتهاب المزمن والحاد

رغم تشابه بعض الأعراض، إلا أن هناك فروقًا جوهرية بين الشكلين:

  • الزمن وطريقة البداية
    • الحاد (Acute): يبدأ بشكل مفاجئ خلال ساعات أو أيام.
    • المزمن (Chronic): يتطور ببطء على مدى أشهر إلى سنوات، وقد يظهر كنوبات متكررة أو ألم مزمن مستمر.
  • قابلية الشفاء
    • الحاد: غالبًا قابل للتحسن والشفاء إذا عولج السبب، وقد لا يترك أذية دائمة.
    • المزمن: يسبب تغيّرات بنيوية غير عكوسة (تليف/تكلسات/تبدلات قنوية) مع تدهور تدريجي في الوظيفة.
  • النتائج الوظيفية
    • الحاد: قد يرافقه ارتفاع واضح في الإنزيمات (مثل الأميلاز/الليباز) ومضاعفات حادة.
    • المزمن: قد تكون الإنزيمات طبيعية أو مرتفعة بشكل بسيط، لكن تبرز علامات قصور البنكرياس (سوء هضم، نقص وزن) والسكري على المدى الطويل.

مدى شيوع المرض ومن هم الأكثر عرضة

يُعدّ التهاب البنكرياس المزمن من الأمراض الأقل شيوعًا مقارنةً بالتهاب البنكرياس الحاد، لكنه أكثر إشكالية من ناحية العبء الصحي لأنه مرض طويل الأمد وقد يسبب مضاعفات مزمنة مثل سوء الامتصاص والسكري والألم المستمر. ويختلف معدل حدوثه بين الدول تبعًا لاختلاف أنماط الحياة وانتشار عوامل الخطر (خصوصًا الكحول والتدخين) وتفاوت القدرة على التشخيص المبكر. عمليًا، نرى أن نسبة ليست قليلة من الحالات تُشخَّص متأخرة، بعد سنوات من الأعراض المتقطعة، لأن المريض قد يفسّر الألم كـ “عسر هضم” أو “قولون” إلى أن تظهر علامات القصور البنكرياسي.

الأكثر عرضة للإصابة هم من لديهم تعرّض مزمن لعوامل تضر البنكرياس على المدى الطويل، أو من لديهم استعداد وراثي/تشريحي/مناعي يسهّل حدوث الالتهاب والتليّف. كما أن المرض قد يكون صامتًا لفترة، لذلك تُعدّ المتابعة السريرية الدقيقة مهمة عند وجود عوامل خطورة واضحة حتى لو كانت الأعراض خفيفة أو متقطعة.


الفئات العمرية الشائعة

غالبًا ما يُشخَّص التهاب البنكرياس المزمن لدى البالغين في منتصف العمر، لأن الأذية تتراكم تدريجيًا وتحتاج وقتًا لتُحدث تليفًا واضحًا وأعراضًا ثابتة. ومع ذلك، يمكن أن يظهر في أعمار أصغر في حالات محددة مثل:

  • الأسباب الوراثية أو العائلية.
  • التشوهات التشريحية في القنوات البنكرياسية.
  • الأمراض المناعية الذاتية.

وفي المقابل، قد يُلاحظ في الأعمار الأكبر عندما يكون هناك تاريخ طويل لعوامل خطر مزمنة أو عندما تتأخر الاستشارة الطبية، فتظهر المضاعفات (سوء الامتصاص/السكري) كسبب رئيسي لاكتشاف المرض.


عوامل تزيد احتمال الإصابة

ترتبط زيادة خطر التهاب البنكرياس المزمن بعدة عوامل، أهمها:

  • تعاطي الكحول لفترات طويلة: يُعد من أبرز العوامل في كثير من البيئات، خاصة عند الاستمرار لسنوات وبكميات مؤثرة.
  • التدخين: عامل مستقل يزيد خطر تطور المرض ويُسرّع تدهور البنكرياس، كما يفاقم الأعراض والمضاعفات.
  • الاستعداد الوراثي: بعض الطفرات الوراثية قد تجعل البنكرياس أكثر قابلية للالتهاب أو التليف حتى دون وجود كحول.
  • انسداد أو اضطراب القنوات البنكرياسية/الصفراوية: مثل التضيق المزمن، الحصيات، أو بعض التشوهات البنيوية التي تعيق تصريف العصارة البنكرياسية.
  • فرط شحوم الدم الشديد (Hypertriglyceridemia): قد يكون سببًا لنوبات التهاب حاد متكررة يمكن أن تتطور لاحقًا إلى التهاب مزمن.
  • فرط كالسيوم الدم: قد يرتبط بترسّبات وتبدلات تؤثر على القنوات وإفرازات البنكرياس.
  • أسباب مناعية ذاتية: التهاب البنكرياس المناعي الذاتي يمكن أن يحاكي المرض المزمن أو يقود إليه إن لم يُشخّص ويُعالج مبكرًا.
  • سوء التغذية وعوامل بيئية معينة: في بعض المناطق قد تلعب دورًا كمساهمات إضافية ضمن سياق عوامل أخرى.

نقطة عملية: اجتماع أكثر من عامل خطر (مثل الكحول + التدخين) يرفع الاحتمال بشكل أكبر ويُسرّع تدهور الوظيفة البنكرياسية.

الأسباب وعوامل الخطر

التهاب البنكرياس المزمن ليس مرضًا ذا سبب واحد في معظم الحالات، بل هو نتيجة تفاعل بين تعرضات طويلة الأمد (مثل الكحول والتدخين) وقابلية فردية (وراثية/تشريحية/مناعية). والقاعدة الذهبية سريريًا: كلما استمر العامل المؤذي مدة أطول، زادت احتمالية حدوث تندّب تدريجي وفشل وظيفي في البنكرياس. كما أن اجتماع أكثر من عامل خطر (مثل الكحول مع التدخين) غالبًا ما يسرّع تطور المرض ويزيد شدة الأعراض والمضاعفات.


يُعدّ الكحول من أكثر الأسباب شيوعًا في العديد من البيئات. التأثير ليس “نوبة واحدة”، بل تعرض مزمن يؤدي إلى تغيّرات في إفرازات البنكرياس ولزوجتها، واضطراب في القنوات الدقيقة، ما يسهّل تشكل سدادات بروتينية وتليّف تدريجي. ويُلاحظ أن المرض قد يظهر بعد سنوات من التعاطي، وأن شدة الحالة لا ترتبط فقط بالكمية، بل أيضًا بعوامل فردية مثل الاستعداد الوراثي والتدخين وسوء التغذية.


التدخين (Smoking)

التدخين عامل خطر مستقل وليس مجرد “مرافق للكحول”. يرتبط التدخين بزيادة احتمال حدوث التهاب البنكرياس المزمن، وبـ تسريع التدهور البنيوي والوظيفي للبنكرياس عند المصابين. كما أن استمرار التدخين قد يفاقم الألم ويزيد الحاجة للتدخلات العلاجية. لذلك يُعدّ الإقلاع عن التدخين جزءًا محوريًا من إدارة المرض، وليس نصيحة عامة فقط.


أسباب وراثية (PRSS1 / SPINK1 / CFTR)

تلعب العوامل الوراثية دورًا مهمًا خاصة في الحالات ذات البداية المبكرة، أو وجود قصة عائلية، أو حدوث نوبات متكررة دون تفسير واضح. أبرز الجينات المرتبطة:

  • PRSS1: يرتبط غالبًا بالتهاب بنكرياس وراثي مع قابلية عالية للنكس والتطور إلى التهاب مزمن.
  • SPINK1: قد يعمل كعامل “مُهيئ” يزيد الاستعداد للالتهاب، وغالبًا يتداخل مع عوامل أخرى.
  • CFTR: مرتبط بالتليف الكيسي أو اضطرابات قنوات الإفراز، وقد يؤدي إلى لزوجة الإفرازات واضطراب التصريف القنوي.

عمليًا، التفكير بالسبب الوراثي مهم عندما يكون العمر صغيرًا، أو عند غياب الكحول/التدخين، أو عند وجود تاريخ عائلي أو مظاهر توحي باضطراب قنوي.


أسباب انسدادية بالقناة البنكرياسية

أي حالة تعيق تصريف العصارة البنكرياسية عبر القناة يمكن أن تخلق ضغطًا خلف الانسداد وتسبب التهابًا متكررًا ينتهي بتليف مزمن. من الأمثلة:

  • تضيقات مزمنة في القناة البنكرياسية.
  • حصيات أو تكلسات داخل القنوات.
  • أورام أو كتل ضاغطة (أحيانًا حميدة وأحيانًا خبيثة).
  • تشوهات تشريحية تؤثر على التصريف الطبيعي (مثل بعض الاختلافات البنيوية في التقاء القنوات).

العلامة السريرية المهمة هنا هي نمط ألم متكرر مع دلائل تصويرية على توسع القناة أو وجود تضيق/انسداد، لأن علاج السبب الانسدادي قد يغيّر مسار المرض.


أسباب مناعية ذاتية (Autoimmune)

التهاب البنكرياس المناعي الذاتي (Autoimmune Pancreatitis) يُعد سببًا مهمًا لأنه قابل للعلاج بشكل جيد إذا شُخّص مبكرًا. يتميز بطابع التهابي مرتبط بالمناعة وقد يترافق مع إصابة أعضاء أخرى. قد يحاكي الأورام أو يسبب يرقانًا انسداديًا عند ضغطه على القناة الصفراوية. الاشتباه به مهم لأنه يختلف عن بقية الأنماط: التركيز يكون على التشخيص الدقيق ثم العلاج المناسب (غالبًا يستجيب للستيرويدات ضمن خطة طبية مضبوطة).


أسباب استقلابية (فرط شحوم/فرط كالسيوم)

بعض الاضطرابات الاستقلابية قد تؤدي إلى نوبات التهاب بنكرياس حاد متكررة، ومع الزمن قد تتطور إلى التهاب مزمن:

  • فرط شحوم الدم الشديد (Hypertriglyceridemia): يزيد خطر الالتهاب، خصوصًا عند مستويات عالية جدًا، وقد يترافق مع السكري أو السمنة أو عوامل وراثية.
  • فرط كالسيوم الدم (Hypercalcemia): قد يرتبط باضطرابات مثل فرط نشاط جارات الدرق، وقد يساهم في ترسّبات وتبدلات تؤثر على القنوات.

في هذه الحالات، معالجة السبب الاستقلابي ليست خيارًا ثانويًا، بل هي “تحكم بالمحرّك” الذي يغذي الالتهاب.


أسباب مجهولة (Idiopathic)

في نسبة من المرضى لا يُعثر على سبب واضح رغم التقييم الجيد، وتُصنّف الحالة كـ مجهولة السبب. لكن عمليًا، هذه الفئة قد تضم أسبابًا “غير مكتشفة” مثل استعداد وراثي غير مُشخّص، أو تعرضات غير مُصرّح بها (كالكحول/التدخين)، أو أسباب قنوية دقيقة لا تظهر إلا بتصوير متخصص (مثل EUS/MRCP). لذلك من الأفضل التعامل معها كتصنيف مؤقت مع إعادة تقييم عند ظهور معطيات جديدة.


 

آلية المرض (الفيزيولوجيا المرضية)

التهاب البنكرياس المزمن هو عملية “تراكمية” تُترجم سريريًا إلى تدهور تدريجي في بنية البنكرياس ووظيفته. نقطة التحول الأساسية هي الانتقال من التهاب متكرر/مستمر إلى تليف دائم وتبدلات قنوية ووظيفية، ما يخلق دائرة مغلقة: التهاب ⇐ تندّب ⇐ اضطراب تصريف ⇐ مزيد من الالتهاب. ومع مرور الوقت تظهر مظاهر القصور الخارجي (سوء الامتصاص) ثم القصور الداخلي (اضطراب سكر الدم).

الالتهاب المزمن والتليف

في البداية، تحدث أذية متكررة لخلايا البنكرياس بفعل عوامل مُؤذية (كحول/تدخين/انسداد/مناعة…)، ويقابلها تنشيط لمسارات التهابية متواصلة. هذا الالتهاب المزمن يحفّز الخلايا المسؤولة عن إنتاج النسيج الليفي داخل البنكرياس (خصوصًا الخلايا النجمية البنكرياسية) ما يؤدي إلى:

  • تليف تدريجي واستبدال النسيج الوظيفي بنسيج ندبي.
  • ضمور في الخلايا الإفرازية (Exocrine acini) وانخفاض إنتاج الإنزيمات.
  • لاحقًا تضرر في جزر لانغرهانس، ما يمهّد لاضطراب سكر الدم.

المحصلة: البنكرياس يصبح أقل مرونة وأقل قدرة على أداء وظيفته، وتصبح التغيرات غالبًا غير عكوسة.

تغيرات القنوات وارتفاع الضغط داخلها

القنوات البنكرياسية هي “شبكة التصريف” التي تنقل العصارة البنكرياسية إلى الأمعاء. في الالتهاب المزمن تحدث تغيرات بنيوية تشمل:

  • تضيّقات متعددة في القناة الرئيسية أو الفروع.
  • توسع قبل مناطق التضيق.
  • تشكل سدادات بروتينية وتكلسات قد تتحول إلى حصيات داخل القنوات.

هذه التبدلات تعيق التصريف الطبيعي وترفع الضغط داخل القنوات، ما يؤدي إلى تفاقم الألم وحدوث نوبات تهيج إضافية. لذلك يُنظر للمرض في كثير من المرضى كحالة تتداخل فيها “المشكلة القنوية” مع “الأذية النسيجية” في آن واحد.

الألم: انسدادي vs عصبي (Neuropathic)

الألم في التهاب البنكرياس المزمن ليس نمطًا واحدًا، بل غالبًا يوجد مكوّنان رئيسيان:

  • ألم انسدادي (Obstructive pain):
    ينجم عن ارتفاع الضغط داخل القنوات بسبب التضيق/الحصيات/التكلسات أو الكتل الالتهابية، وقد يتحسن عند معالجة الانسداد (بالمنظار أو الجراحة في بعض الحالات المختارة). عادةً يكون الألم مترافقًا مع دلائل تصويرية واضحة على توسع القناة أو وجود انسداد.
  • ألم عصبي/اعتلالي (Neuropathic pain):
    مع الزمن، قد يحدث “تحسّس” في المسارات العصبية المحيطة بالبنكرياس نتيجة الالتهاب المزمن، فتظهر ملامح ألم اعتلالي: استمرار الألم حتى دون انسداد واضح، أو ألم غير متناسب مع الموجودات التصويرية. هنا يصبح الألم أقرب إلى اضطراب في معالجة الألم عصبيًا، وقد يحتاج مقاربة علاجية متعددة المحاور (دوائية/سلوكية/تداخلية) بدل الاكتفاء بمسكنات تقليدية.

الأعراض والعلامات السريرية

تعكس أعراض التهاب البنكرياس المزمن مرحلتين متداخلتين: مرحلة يغلب فيها الألم (بسبب الالتهاب وتغيرات القنوات)، ومرحلة لاحقة يغلب فيها قصور البنكرياس (سوء الامتصاص ثم السكري). وقد يتأخر ظهور سوء الامتصاص إلى أن يفقد البنكرياس جزءًا كبيرًا من قدرته الإفرازية، لذلك لا يجب ربط التشخيص فقط بوجود الإسهال الدهني.

الألم البطني المزمن وخصائصه

الألم هو العرض الأكثر شيوعًا، وغالبًا يتموضع في الشرسوف وقد يمتد إلى الظهر. قد يكون:

  • متقطعًا على شكل نوبات تتكرر، أو مستمرًا بدرجات متفاوتة.
  • قد يزداد بعد الطعام عند بعض المرضى، خاصةً إذا كانت المشكلة القنوية/الانسدادية بارزة.
  • قد يترافق مع غثيان أو نقص شهية بسبب “الخوف من الطعام” نتيجة توقع الألم.

ومن السمات المهمة أن الألم قد يتغير مع الزمن: عند البعض يخف لاحقًا مع تقدم التليف وضمور البنكرياس، لكن هذا لا يعني تحسنًا حقيقيًا؛ قد يكون مجرد انتقال نحو مرحلة القصور الوظيفي.

سوء الهضم والانتفاخ

مع انخفاض إفراز الإنزيمات تدريجيًا، تظهر أعراض سوء الهضم مثل:

  • انتفاخ وثِقَل بعد الطعام.
  • غازات وتقلصات.
  • عدم تحمل الأطعمة الدسمة لدى البعض.

هذه الأعراض قد تكون مبكرة وغير نوعية، وقد تُفسّر خطأً على أنها “قولون عصبي” ما يؤخر التشخيص، خصوصًا إذا كان الألم غير نموذجي.

الإسهال الدهني (Steatorrhea)

الإسهال الدهني علامة قوية على قصور البنكرياس الخارجي. يوصف عادةً كبراز:

  • زيتي/لامع، ذو رائحة نفاذة.
  • كبير الحجم ويميل للطفو.
  • يصعب تنظيفه أحيانًا.

يظهر عادةً عندما يصبح نقص إنزيمات هضم الدهون واضحًا. ومعه قد يحدث نقص في الفيتامينات الذوّابة في الدهون (A, D, E, K) وما يتبعه من مضاعفات تغذوية.

فقدان الوزن وسوء التغذية

فقدان الوزن في التهاب البنكرياس المزمن له عدة آليات:

  • سوء الامتصاص وفقدان السعرات، خصوصًا الدهون.
  • نقص الشهية والخوف من الأكل بسبب الألم.
  • ارتفاع الاستقلاب في سياق الالتهاب المزمن عند بعض المرضى.

وسوء التغذية قد يكون “صامتًا” في البداية، لذلك من المهم الانتباه لمؤشرات مثل ضعف عام، نقص كتلة عضلية، علامات نقص فيتامينات، أو فقر دم بحسب السياق.

السكري الناتج عن البنكرياس (Type 3c)

عندما يتضرر الجزء الصمّاء من البنكرياس (جزر لانغرهانس) قد يظهر السكري المرتبط بأمراض البنكرياس ويُعرف غالبًا بـ السكري من النوع الثالث (Type 3c). يتميز بأنه:

  • ينجم عن فقدان تدريجي لإفراز الإنسولين (وأحيانًا الغلوكاغون أيضًا)، لذا قد يكون ضبط السكر متقلبًا.
  • قد يترافق مع سوء امتصاص ونقص وزن، ما يجعله مختلفًا سريريًا عن النمط الكلاسيكي للسكري النوع 2.
  • وجود قصة التهاب بنكرياس مزمن مع ظهور سكري جديد أو تدهور مفاجئ في السيطرة السكرية يجب أن يرفع درجة الاشتباه.

متى تصبح الأعراض إنذارية؟

هناك أعراض/علامات تُعد Red Flags وتستدعي تقييمًا عاجلًا لأنها قد تشير لمضاعفات أو تشخيصات بديلة خطيرة، منها:

  • يرقان (اصفرار) خاصة إذا ترافق مع حكة وبول غامق/براز فاتح: قد يدل على انسداد بالقناة الصفراوية.
  • نقص وزن سريع وغير مفسّر أو تدهور عام واضح.
  • ألم جديد أو متغير النمط بشكل ملحوظ، أو ألم يوقظ من النوم باستمرار.
  • سكري حديث الظهور عند مريض كبير بالعمر مع ألم/نقص وزن، أو تغير مفاجئ في سكر الدم دون تفسير.
  • قيء مستمر، نزف هضمي، حمى أو علامات إنتان.
  • ظهور كتلة أو تبدلات تصويرية مقلقة.

هذه العلامات لا تعني بالضرورة وجود سرطان، لكنها تفرض مقاربة “لا مجال فيها للتهاون” لضمان عدم تفويت انسداد شديد أو مضاعفات أو حالة خبيثة.

 

المضاعفات

مضاعفات التهاب البنكرياس المزمن هي امتداد طبيعي لمسار المرض: تليّف تدريجي يسبب قصورًا وظيفيًا، وتبدلات قنوية تؤدي لمشكلات انسدادية، إضافةً إلى مضاعفات وعائية/كيسية قد تكون حادة وخطرة. عمليًا، إدارة المريض الناجحة تعتمد على “Risk management” مبكرًا: كشف القصور قبل أن يصبح شديدًا، ورصد المضاعفات التي تستدعي تدخلًا عاجلًا.

القصور الخارجي للبنكرياس (EPI)

يحدث قصور البنكرياس الخارجي (Exocrine Pancreatic Insufficiency) عندما ينخفض إفراز الإنزيمات الهضمية إلى حد لا يكفي لهضم الطعام، خاصة الدهون. نتائجه السريرية تشمل:

  • إسهال دهني وانتفاخ وغازات.
  • نقص وزن وسوء تغذية.
  • نقص الفيتامينات الذوّابة في الدهون (A, D, E, K) وما يتبعه من اضطرابات مثل كدمات/نزف (Vit K)، اعتلالات عصبية/عضلية (Vit E)، ومشاكل عظمية (Vit D).
    الخطورة هنا ليست الإسهال بحد ذاته، بل “الـ downstream impact” على التغذية والمناعة والعضلات والعظام.

القصور الداخلي/السكري

مع تضرر جزر لانغرهانس يظهر السكري المرتبط بالبنكرياس (Type 3c). قد يتصف بـ:

  • صعوبة ضبط السكر وتذبذبه، خصوصًا مع سوء الامتصاص وتغير الوارد الغذائي.
  • قابلية أعلى لنوبات نقص السكر عند بعض المرضى بسبب اضطراب الغلوكاغون أيضًا.
    هذه الفئة تحتاج خطة سكر “مفصلة” على واقع المريض الغذائي والوظيفي، وليست نسخة طبق الأصل عن سكري النوع 2.

الأكياس الكاذبة (Pseudocysts)

الكيس الكاذب تجمع سوائل غني بالإنزيمات ومحاط بجدار ليفي/التهابي (ليس جدارًا طلائيًا). قد يكون بلا أعراض ويُكتشف صدفة، أو يسبب:

  • ألمًا مستمرًا، امتلاءً مبكرًا، غثيانًا/إقياءً بسبب ضغطه على المعدة/الاثني عشر.
  • اختلاطات: إنتان، نزف داخل الكيس، تمزق، أو ضغط على القناة الصفراوية.
    قرار التدخل يعتمد على الأعراض، الحجم/التوسع، والاختلاطات.

تضيق القناة الصفراوية/اليرقان الانسدادي

قد يؤدي الالتهاب والتليف في رأس البنكرياس إلى تضيق القناة الصفراوية وحدوث يرقان انسدادي. سريريًا يظهر:

  • اصفرار، حكة، بول غامق، براز فاتح.
    هذه حالة “High priority” لأن التفريق عن الأورام مهم، ولأن الركودة الصفراوية قد تسبب التهاب أقنية صفراوية ومضاعفات كبدية إن استمرت.

خثار الوريد الطحالي/دوالي

التهاب البنكرياس المزمن قد يسبب خثار الوريد الطحالي وما يليه من ارتفاع ضغط وريدي موضعي (Left-sided portal hypertension) يؤدي إلى:

  • دوالي معدية/مريئية (خصوصًا المعدية) مع خطر النزف.
  • ضخامة طحال أحيانًا ونقص صفائح.
    هذه مضاعفة قد تكون صامتة إلى أن يحدث نزف هضمي، لذا يلزم الانتباه لها عند وجود دلائل تصويرية أو سريرية.

نزف وعائي (Pseudoaneurysm)

من أخطر المضاعفات: تشكل أمّ دم كاذبة (Pseudoaneurysm) في شرايين محيطة (مثل الطحالي/المعدي/الاثني عشري) بسبب تأثير الإنزيمات والالتهاب على جدار الوعاء. قد يؤدي إلى:

  • نزف هضمي أو نزف داخل كيس كاذب أو نزف داخل البطن.
    هنا أي ألم مفاجئ شديد، هبوط ضغط، تقيؤ دم/براز أسود عند مريض التهاب بنكرياس مزمن = “Emergency pathway” حتى يثبت العكس.

زيادة خطر سرطان البنكرياس (حسب الفئة)

يزداد خطر سرطان البنكرياس في بعض فئات التهاب البنكرياس المزمن، خاصة:

  • الحالات الوراثية (مثل المرتبطة بـ PRSS1) والتي تحمل خطرًا أعلى على المدى الطويل.
  • وجود عوامل مشتركة مثل التدخين قد يرفع الخطر.
    الرسالة العملية: لا يعني وجود التهاب مزمن أن كل مريض سيصاب بسرطان، لكن ظهور علامات إنذارية (نقص وزن سريع، يرقان جديد، ألم متغير النمط، سكري حديث بلا تفسير) يستدعي تقييمًا دقيقًا وخطة استقصاء مناسبة.

التشخيص

تشخيص التهاب البنكرياس المزمن هو “تجميع أدلة” من القصة المرضية، الموجودات السريرية، اختبارات الوظيفة، والتصوير. الهدف ليس وضع اسم فقط، بل تحديد: مرحلة المرض، وجود انسداد/حصيات، درجة القصور، والمضاعفات.

القصة المرضية والفحص السريري

تركّز القصة على:

  • نمط الألم (شرسوفي/للوظهر، نوبات أم مستمر، علاقة بالطعام).
  • تاريخ الكحول والتدخين (بوضوح وبدون أحكام).
  • أعراض سوء الامتصاص: براز دهني، انتفاخ، نقص وزن.
  • ظهور سكري جديد أو تذبذب سكر.
  • علامات إنذارية: يرقان، حمى، نزف هضمي.
    الفحص قد يكون طبيعيًا بين النوبات، لكن قد يُظهر ألمًا شرسوفيًا، علامات سوء تغذية، يرقان، أو ضخامة طحال في سياق خثار الوريد الطحالي.

التحاليل المخبرية المناسبة

التحاليل ليست وحدها تشخيصية غالبًا، لكنها تساعد في:

  • تقييم الالتهاب والمضاعفات: CBC، CRP عند الشك بالتهاب/إنتان.
  • تقييم ركودة صفراوية: Bilirubin, ALP, GGT عند اليرقان.
  • تقييم الاستقلاب: سكر صيامي/HbA1c، ثلاثي الغليسريد، كالسيوم.
  • أميلاز/ليباز: قد تكون طبيعية في المزمن أو ترتفع قليلًا، لذا لا يُعتمد عليها وحدها.
  • تقييم سوء التغذية: ألبومين/بروتينات، فيتامين D، INR (غير مباشر لنقص Vit K) حسب الحالة.

تقييم القصور الخارجي: Fecal elastase-1

Fecal elastase-1 اختبار غير باضع يساعد في تقييم القصور الخارجي:

  • قيم منخفضة تدعم وجود EPI وتساعد على تبرير بدء/تعزيز العلاج بالإنزيمات.
  • يفيد خصوصًا عندما تكون الأعراض غير نوعية أو عندما نريد “Baseline” للمتابعة.
    يجب تفسيره ضمن السياق السريري لأن شدة الأعراض وسوء الامتصاص لا تتطابق دائمًا خطيًا مع رقم واحد.

التصوير: CT

التصوير المقطعي (CT) ممتاز لإظهار:

  • التكلسات البنكرياسية.
  • توسع/تغيرات القنوات.
  • المضاعفات مثل الأكياس الكاذبة، الكتل الالتهابية، أو مضاعفات وعائية.
    هو خيار قوي في التقييم الأولي، خصوصًا عند ألم واضح أو اشتباه بمضاعفات.

التصوير: MRI/MRCP (± Secretin)

MRI/MRCP يعطي تفاصيل أفضل عن:

  • البنية القنوية (تضيقات/توسع/تشوهات).
  • تقييم الأنسجة الرخوة دون إشعاع.
    واستخدام السكريتين (Secretin-enhanced MRCP) قد يساعد في إبراز ديناميكية التصريف القنوي ووظيفة الإفراز في حالات مختارة، خصوصًا عندما تكون النتائج الأخرى غير حاسمة.

الإيكو التنظيري EUS ومعايير التشخيص

EUS أداة عالية الحساسية خصوصًا في المراحل المبكرة أو عندما نحتاج تقييمًا دقيقًا للأنسجة والقنوات. يساعد في:

  • كشف تغيّرات دقيقة غير واضحة بالـ CT/MRI.
  • تقييم الحصيات الصغيرة/السدادات، والكتل.
  • أخذ خزعات عند الشك بآفة ورمية أو لتقييم حالات مثل المناعي الذاتي.
    المعايير تعتمد على مجموعة علامات بنيوية في النسيج والقنوات، وتزداد قوة التشخيص مع تراكمها. المهم سريريًا: EUS مفيد عندما يكون هناك “تشخيص معلّق” أو عندما نحتاج “Rule out malignancy”.

التشخيص التفريقي

الأعراض قد تتقاطع مع حالات أخرى، لذا التفريق يشمل:

  • القرحة الهضمية/GERD.
  • حصيات مرارية ونوبات التهاب حاد ناكس.
  • متلازمات سوء الامتصاص غير البنكرياسية (مثل السيلياك).
  • أورام البنكرياس أو القناة الصفراوية.
  • ألم وظيفي/قولون عصبي (لكن يجب الحذر قبل وضع هذا التشخيص).
    المعيار هنا: أي شيء لا يركب على الصورة الكلاسيكية أو فيه علامات إنذارية → نرفع مستوى الاستقصاء.

متى نشتبه بالتهاب مناعي ذاتي؟

نشتبه به خصوصًا عند:

  • يرقان انسدادي أو كتلة في رأس البنكرياس مع صورة قد تشبه الورم.
  • دلائل مناعية/التهابية أو إصابة أعضاء أخرى (حسب السياق).
  • استجابة جيدة للعلاج المناعي عند توثيق التشخيص.
    هنا “الـ governance التشخيصي” مهم: لأن الخطأ قد يكون إمّا تفويت ورم أو إعطاء ستيرويد بلا تشخيص مضبوط.

العلاج (خطة شاملة)

علاج التهاب البنكرياس المزمن هو برنامج “End-to-end” يهدف إلى:

  1. إيقاف العوامل المسرّعة.
  2. ضبط الألم.
  3. تعويض القصور.
  4. منع/علاج المضاعفات.
  5. تحسين جودة الحياة.

إيقاف الكحول والتدخين

هذا هو أعلى “Return on Investment” في الخطة:

  • إيقاف الكحول يقلل النكس ويبطئ التدهور.
  • الإقلاع عن التدخين يقلل تسارع التليف ويُحسّن السيطرة على الألم ويخفض مخاطر طويلة الأمد.
    النجاح هنا يعتمد على دعم سلوكي/دوائي عند الحاجة، لأن الاعتماد ليس مجرد قرار لحظي.

التغذية ونمط الوجبات

الهدف هو الحفاظ على تغذية جيدة بدون تحفيز الألم:

  • وجبات صغيرة ومتكررة بدل وجبتين كبيرتين.
  • ضبط الدهون حسب التحمل، مع عدم الوقوع في فخ “منع الدهون تمامًا” إذا كان المريض على PERT بشكل صحيح.
  • دعم بروتيني/سعرات عند نقص الوزن.
  • تقييم اختصاصي تغذية عند سوء تغذية واضح أو فقدان وزن سريع.

علاج الألم (خطوات تدريجية)

المقاربة المعيارية تكون تدريجية:

  • مسكنات بسيطة حسب الحاجة ضمن أمان المريض.
  • الانتقال لخيارات أقوى عند عدم السيطرة، مع الانتباه لخطورة الاعتماد على الأفيونات في الألم المزمن.
  • إذا كان الألم انسداديًا مع دليل قنوي: التفكير بالتداخلات (تنظير/تفتيت حصيات/جراحة) بدل التصعيد العشوائي للمسكنات.
  • إذا كان الألم اعتلاليًا: إدخال أدوية تستهدف الألم العصبي ضمن خطة، مع دعم نفسي وسلوكي.
    الهدف: “Pain control with risk control”.

إنزيمات البنكرياس البديلة PERT (الاستطبابات + المتابعة)

تُستخدم PERT عند وجود:

  • دليل أو اشتباه قوي بـ EPI (إسهال دهني، نقص وزن، نقص فيتامينات) أو اختبار داعم مثل انخفاض Fecal elastase.
    المتابعة تكون عبر:
  • تحسن الأعراض (الدهون في البراز/الانتفاخ).
  • تحسن الوزن والمؤشرات الغذائية.
  • ضبط الجرعات مع الوجبات بشكل صحيح (وهذا عامل نجاح أساسي).
    وفي بعض المرضى، قد تُحسن PERT الألم المرتبط بالتحفيز الإفرازي بعد الطعام.

علاج السكري Type 3c

إدارة سكري البنكرياس تحتاج:

  • خطة علاج تتماشى مع نمط التغذية وسوء الامتصاص.
  • مراقبة أعلى لاحتمال نقص السكر عند بعض المرضى.
  • التنسيق مع اختصاصي غدد عند عدم الاستقرار أو الحاجة لخطط معقدة.
    الهدف هنا “Stability over perfection”: ضبط واقعي يقلل الأعراض والمضاعفات.

علاج نقص الفيتامينات والوقاية من هشاشة العظام

بسبب سوء امتصاص الدهون:

  • تعويض فيتامين D وكالسيوم عند الحاجة، وتقييم خطر هشاشة العظام.
  • تعويض A/E/K حسب التحاليل/العلامات.
  • متابعة كثافة العظام عند المرضى ذوي الخطورة العالية أو النقص المزمن.

التدخلات التنظيرية ERCP/ESWL (متى ولماذا)

تُطرح التداخلات عندما يكون هناك “Target واضح”:

  • حصيات/تضيقات في القناة تسبب ألمًا انسداديًا أو مضاعفات.
  • وضع دعامات (Stents) أو توسيع تضيق مختار.
  • ESWL لتفتيت حصيات القناة الكبيرة في حالات مناسبة لتسهيل الإزالة بالـ ERCP.
    الفكرة: التداخلات ليست لكل مريض، بل لمن لديهم بنية قنوية قابلة للإصلاح مع توقع تحسن سريري.

الجراحة (المؤشرات + الأنواع بإيجاز)

الجراحة تُبحث عندما:

  • فشل العلاج المحافظ والتداخلات، مع ألم شديد يدمّر جودة الحياة.
  • انسداد قنوي مع توسع واضح أو كتلة التهابية رأسية مؤثرة.
  • مضاعفات لا تُدار بشكل كافٍ بالطرق الأخرى.
    الأنواع تعتمد على النمط التشريحي (إجراءات تصريفية، أو استئصال جزء من الرأس/المعقدات المختارة). الهدف الجراحي: تقليل الضغط/إزالة بؤرة المشكلة وتحسين الألم والوظيفة قدر الإمكان.

الدعم النفسي وإدارة الألم المزمن

الألم المزمن يخلق عبئًا نفسيًا كبيرًا وقد يؤثر على النوم والعمل والعلاقات، لذلك:

  • دعم نفسي/سلوكي جزء “Core” وليس إضافي.
  • استراتيجيات coping، علاج اضطراب القلق/الاكتئاب إن وجد، وبرامج إدارة الألم.
    هذا يقلل الاعتماد على المسكنات ويحسن الالتزام بالخطة العلاجية.

 

المتابعة والمتطلبات العملية

المتابعة في التهاب البنكرياس المزمن ليست “زيارة كل فترة والسلام”، بل هي حوكمة رعاية طويلة الأمد هدفها: تثبيت الألم، تحسين التغذية، ضبط السكري، ورصد المضاعفات مبكرًا. الأفضل اعتماد خطة متابعة معيارية (Standardized follow-up) قابلة للتعديل حسب شدة المرض ووجود القصور والمضاعفات.

مؤشرات الاستجابة للعلاج

نعتبر الخطة ناجحة عندما نرى تحسنًا ملموسًا في “Outcome indicators” التالية:

  • الألم: انخفاض التواتر/الشدة، تقليل الحاجة للمسكنات، تحسن النوم والقدرة على العمل.
  • الهضم: تراجع الانتفاخ والإسهال الدهني، تحسن قوام البراز، تقليل الغازات.
  • الوزن والتغذية: ثبات الوزن أو زيادته تدريجيًا، تحسن الشهية والقدرة على تناول الطعام دون خوف.
  • المؤشرات الحيوية: تحسن HbA1c أو استقرار سكر الدم، تصحيح نقص الفيتامينات، استقرار ألبومين/مؤشرات سوء التغذية حسب الحالة.
  • جودة الحياة: قدرة المريض على ممارسة نشاطه اليومي، تحسن المزاج وتقليل “عبء الألم المزمن”.
  • غياب النكس/الاختلاطات: انخفاض زيارات الإسعاف/الدخول للمشفى، وعدم ظهور مضاعفات جديدة.

جدول متابعة مقترح (وزن/سكر/فيتامينات/عظام)

هذا جدول عملي قابل للتخصيص حسب المرحلة:

  • كل 4–8 أسابيع في البداية (ثم كل 3–6 أشهر بعد الاستقرار):
    • وزن + BMI (ومحيط الخصر عند الحاجة).
    • تقييم أعراض الهضم (Steatorrhea/انتفاخ/عدد مرات الإسهال) والتزام PERT وطريقة أخذه مع الوجبات.
    • مراجعة الألم وخطة المسكنات والآثار الجانبية.
  • السكري (Type 3c):
    • سكر منزلي حسب الخطة العلاجية (أكثر كثافة إن كان العلاج بالإنسولين أو كان هناك تذبذب).
    • HbA1c كل 3 أشهر حتى الاستقرار، ثم كل 6 أشهر.
    • تقييم نوبات نقص السكر وتعديل الخطة وفق نمط الوجبات والامتصاص.
  • الفيتامينات وسوء الامتصاص:
    • فيتامين D (ومعادن/كالسيوم/فوسفات ± PTH حسب السياق) كل 6–12 شهرًا أو أقرب إن كان هناك نقص.
    • تقييم نقص A/E/K عند الشبهة أو وجود علامات سريرية/نزف/اعتلال عصبي، وفق البروتوكول المتاح.
    • CBC/حديد/B12/فولات عند الاشتباه بسوء تغذية متعدد الأسباب أو فقر دم.
  • العظام (الوقاية من الهشاشة):
    • تقييم عوامل الخطورة (نقص Vit D، سوء تغذية، قلة حركة، تدخين).
    • فحص كثافة العظم (DEXA) عند وجود خطورة واضحة أو نقص مزمن/كسور/استخدام ستيرويدات/عمر متقدم، ثم إعادة التقييم حسب النتائج (غالبًا كل 1–2 سنة إذا كان هناك هشاشة/نقص كثافة).

الفكرة: المتابعة تعتمد على “Dashboards” واضحة: وزن/أعراض/سكر/فيتامينات/عظام، بدل المتابعة الانطباعية.

متى نعيد التصوير؟

إعادة التصوير ليست روتينًا لكل زيارة، بل تُطلب عند وجود “Triggers” واضحة، مثل:

  • أعراض إنذارية جديدة: يرقان، نقص وزن سريع، ألم جديد أو تغيّر نمطه، حمى.
  • اشتباه بمضاعفات: كيس كاذب عرضي أو متزايد، نزف، خثار وريدي، انسداد صفراوي.
  • فشل الخطة العلاجية أو ألم شديد مستمر رغم العلاج المناسب → لتقييم سبب انسدادي/حصيات/تضيق.
  • اشتباه بآفة ورمية أو عدم وضوح الصورة → غالبًا MRI/MRCP أو EUS حسب الحالة.

متى نحيل لمركز متخصص؟

الإحالة لمركز متخصص (Gastro/HPB) مفضلة عندما نحتاج “تصعيد قرار” أو “تداخل عالي الخبرة”، مثل:

  • ألم مزمن شديد غير مضبوط أو اعتماد متزايد على الأفيونات.
  • اشتباه سبب انسدادي يحتاج ERCP/ESWL أو تقييم جراحي.
  • مضاعفات وعائية (Pseudoaneurysm)، أو دوالي/نزف، أو خثار وريدي مع تعقيد.
  • أكياس كاذبة عرضية/ملتهبة/متكررة أو كبيرة وتحتاج تصريف.
  • يرقان انسدادي أو كتلة/شك بورم.
  • حالات معقدة: التهاب مناعي ذاتي غير واضح، أو وراثي/بدء مبكر يحتاج تقييم جيني واستراتيجية متابعة طويلة الأمد.

أسئلة شائعة (FAQ)

هل التهاب البنكرياس المزمن يشفى؟

التغيرات البنيوية الأساسية (التليف/التكلسات) غالبًا غير عكوسة، لذلك لا نتحدث عادةً عن “شفاء تام” بمعنى رجوع البنكرياس كما كان. لكن يمكن تحقيق سيطرة ممتازة على المرض: إيقاف العوامل المؤذية، ضبط الألم، تعويض الإنزيمات، تحسين التغذية، وضبط السكري. كثير من المرضى يصلون لمرحلة استقرار وظيفي وجودة حياة مقبولة إذا التزموا بالخطة.

هل يمكن الصيام؟

غالبًا يمكن عند مرضى مستقرين، لكن القرار “Case-by-case” وفق:

  • شدة الألم ونمطه.
  • وجود EPI وحاجة المريض لـ PERT مع الوجبات (لأن الإنزيمات تُؤخذ مع الطعام).
  • وجود سكري Type 3c وخطر نقص/ارتفاع السكر أثناء الصيام.
    عمليًا: إذا كان المريض لديه سكري غير مستقر أو نقص وزن شديد أو ألم يتفاقم مع الانقطاع الطويل عن الطعام، فالصيام قد لا يكون مناسبًا دون تعديل طبي وخطة سكر وغذاء واضحة.

ما أفضل نظام غذائي؟

أفضل نظام هو الذي يحقق 3 أهداف: يحافظ على الوزن والتغذية، يقلل الأعراض، ويمكن الالتزام به. مبادئ عامة:

  • وجبات صغيرة ومتكررة.
  • دهون “مضبوطة” حسب التحمل، مع استخدام PERT بشكل صحيح بدل منع الدهون بالكامل.
  • بروتين كافٍ وسعرات كافية لمنع الهزال.
  • تجنب الكحول نهائيًا، وتقليل ما يثير الأعراض بشكل فردي.
    وجود اختصاصي تغذية يعطي قيمة عالية خصوصًا عند نقص وزن أو نقص فيتامينات.

هل الإنزيمات تسبب إدمان؟

لا. إنزيمات البنكرياس البديلة (PERT) ليست مسكنات ولا مواد مؤثرة على الجهاز العصبي، ولا تسبب اعتمادًا أو إدمانًا. هي تعويض وظيفي لإنزيمات ناقصة. قد يحتاج المريض للاستمرار عليها طويلًا إذا كان القصور الخارجي ثابتًا، لكن هذا “احتياج علاجي” وليس اعتمادًا مرضيًا.

هل يرفع خطر السرطان؟

في بعض فئات التهاب البنكرياس المزمن يوجد ارتفاع في الخطر مقارنةً بعامة الناس، خاصةً في الأنماط الوراثية وبعض السياقات طويلة الأمد ومع التدخين. لكن ذلك لا يعني أن كل مريض سيُصاب بسرطان. الأهم هو الانتباه للعلامات الإنذارية (يرقان جديد، نقص وزن سريع، ألم متغير، سكري حديث) واتباع تقييم مناسب عند ظهورها.


الخلاصة
  • التهاب البنكرياس المزمن مرض طويل الأمد يقود إلى تليف وتدهور وظيفي تدريجي (هضم + سكر).
  • الألم قد يكون انسداديًا أو اعتلاليًا؛ النجاح يكون بتحديد الآلية بدل تصعيد المسكنات فقط.
  • قصور البنكرياس الخارجي يسبب سوء امتصاص ونقص فيتامينات؛ وPERT حجر أساس عند الاستطباب.
  • السكري من نوع 3c يحتاج خطة مخصصة ومراقبة دقيقة لتذبذب السكر.
  • المتابعة الناجحة تعتمد على مؤشرات واضحة: وزن/أعراض/سكر/فيتامينات/عظام، مع إعادة تصوير وإحالة عند وجود “Red flags” أو فشل علاجي أو مضاعفات.

 

مصادر المقال

  1. StatPearls – Chronic Pancreatitis (NCBI Bookshelf) O. Benjamin et al. تعريف شامل للمرض، العامل المسبب، والتغيرات النسيجية. 🔗 https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK482325/ (НЦБІ)
  2. Pham A., Chronic pancreatitis: review and update of etiology, risk… (PMC/NIH) مراجعة نظامية للمسببات والعوامل الفكرية الأكثر قبولاً طبياً (TIGAR-O). 🔗 https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC5958317/ (PMC)
  3. Ramsey ML., Complications of Chronic Pancreatitis (PMC/NIH) تحليل المضاعفات طويلة الأجل مثل السكري، النقص الإنزيمي، سرطان البنكرياس، وآلام مزمنة. 🔗 https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC5667546/ (PMC)
  4. Chronic Pancreatitis – MedlinePlus Medical Encyclopedia مصادر NIH مخصّصة للمرضى حول الأعراض والعواقب السريرية. 🔗 https://medlineplus.gov/ency/article/000221.htm (MedlinePlus)
  5. Chronic Pancreatitis – GutS Charity (UK) نظرة عامة مبسّطة ومدعومة إحصائياً مع توضيح الأدوار التشريحية والوظيفية. 🔗 https://gutscharity.org.uk/advice-and-information/conditions/chronic-pancreatitis/ (Guts UK)
  6. Chronic Pancreatitis: Diagnosis and Treatment – American Family Physician مقالة مراجعة سريرية تشرح التشخيص التفريقي وخيارات التحري والتصوير. 🔗 https://www.aafp.org/pubs/afp/issues/2018/0315/p385.html (AAFP)
  7. Mayoclinic – Pancreatitis (Symptoms, Causes, Diagnosis) وصف سريري عام مع الأعراض والاختبارات التشخيصية. 🔗 https://www.mayoclinic.org/diseases-conditions/pancreatitis/symptoms-causes/syc-20360227 (Mayo Clinic)
  8. MSD Manuals – التهاب البنكرياس المزمن (الطب العربي) مراجعة علاجية وتوجيهات سريرية شاملة باللغة العربية. 🔗 https://www.msdmanuals.com/ar/home/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B6%D8%B7%D8%B1%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%B6%D9%85%D9%8A%D9%91%D9%8E%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%87%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%B3/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%87%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B2%D9%85%D9%86 (MSD Manuals)
  9. Wikipedia – التهاب البنكرياس المزمن (Arabic) نظرة موسوعية مختصرة عن التعريف والأسباب والأعراض. 🔗 https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%87%D8%A7%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%B3_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B2%D9%85%D9%86 (ويكيبيديا)

د. ميسر الغصين

أقدّم محتوى طبي مبسّط مبني على فهم الآليات المرضية وربط الأعراض بالسبب، مع التركيز على أمراض الجهاز الهضمي وطب الأسرة. هدفي أن تحصل على معلومة واضحة، مرتبة، وقابلة للتطبيق، بعيداً عن الحشو والتعقيد، وبأسلوب يناسب القارئ العام والطبيب معاً.

عرض مقالات الكاتب →

تقييم المقال

لا يوجد تقييمات بعد — كن أول من يقيّم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اختر عدد النجوم ثم اكتب تعليقك.